شروط الوصية الشرعية ونظام الوصايا في السعودية من أكثر الموضوعات التي تُجنب العائلات نزاعات التركات “قبل أن تبدأ”. لأن كثيرًا من الخلافات لا تنشأ من قلة المال، بل من غياب التوثيق، أو وصية مكتوبة بشكل غير منضبط (تجاوزت الثلث، أو كانت لوارث دون إجازة، أو احتملت أكثر من معنى)، أو لأن الورثة لم يفهموا الفرق بين “الوصية” و”الميراث”.
في السعودية، أحكام الوصية تدخل ضمن منظومة نظام الأحوال الشخصية الصادر بالمرسوم الملكي (م/73) لعام 1443هـ، وهو نظام شامل يتضمن أبوابًا للوصية ضمن تنظيم مسائل الأسرة والتركة.
وعمليًا، أصبحت خدمات التوثيق أسهل عبر القنوات الرسمية مثل منصة ناجز والخدمات المندرجة في المنصة الوطنية الموحدة لتوثيق الوصية رسميًا لدى الجهة المختصة.
هذا المقال يشرح لك الشروط الشرعية الأساسية، وأهم الضوابط النظامية المتداولة في التطبيق، وكيف يوثقها المحامي بشكل يحمي إرادة الموصي ويقلل فرص الاعتراض والطعن.
شروط الوصية الشرعية ونظام الوصايا: تعريف مختصر يضبط الفهم
الوصية ببساطة: تصرف يُضيفه الشخص إلى ما بعد وفاته، يهب فيه مالًا أو منفعةً لشخص أو جهة، أو يحدد توجيهًا في حدود ما يسمح به الشرع والنظام. (قد تكون الوصية لغير وارث، أو لجهة خيرية، أو لإدارة مال قاصر، أو لمنفعة محددة… إلخ).
وهنا أهم تفريقين:
- الميراث حق ثابت للورثة وفق القواعد الشرعية بعد الوفاة.
- الوصية اختيار من الموصي (ضمن ضوابط) ولا يجوز أن تُصادم قواعد الميراث صدامًا يضر الورثة أو يغير الأنصبة بغير وجه معتبر.
ومن هنا جاءت قاعدتان مشهورتان في باب الوصايا ستسمعهما كثيرًا:
- حد الوصية غالبًا في الثلث، وفي الحديث: “الثلث… والثلث كثير”.
- وقاعدة: “لا وصية لوارث” (أي لا يوصى للوارث بما يزيده على نصيبه إلا بإجازة معتبرة).
شروط الوصية الشرعية ونظام الوصايا في السعودية: الأركان الأربعة
لكي تكون الوصية “قابلة للتنفيذ” وليست مجرد رغبة عامة، يلزم ضبط أركانها:
- الموصي: صاحب الوصية.
- الموصى له: الشخص/الجهة التي ستستفيد.
- الموصى به: المال أو المنفعة أو الحق محل الوصية.
- الصيغة: اللفظ أو الكتابة أو الإقرار الذي يُفهم منه إنشاء الوصية.
المحامي عادة يبدأ من هذه الأركان؛ لأن أغلب الطعون تدور حول ركن ناقص أو غامض: “هل كان الموصي كامل الأهلية؟” “هل الموصى به محدد؟” “هل الصياغة قطعية أم تحتمل تفسيرين؟” …إلخ.
شروط الوصية الشرعية في السعودية بالنسبة للموصي
أهم الشروط المرتبطة بالموصي (صاحب الوصية) في التطبيق:
- الأهلية والرشد: أن يكون قادرًا على الإدراك والتصرف، بعيدًا عن فقدان الأهلية أو اختلال مؤثر وقت إنشاء الوصية. نظام الأحوال الشخصية يعتني بمفاهيم الأهلية والرشد ضمن تنظيم الأسرة والولاية والوصاية والوصية.
- الاختيار وعدم الإكراه: لأن الوصية تصرف تبرعي، والإكراه يفتح باب الطعن.
- أن يكون المال مملوكًا للموصي وقت الوصية (أو على الأقل من حقه التصرف فيه)، وألا تكون وصية على مالٍ لا يملكه أو حقٍ ليس له.
- وضوح الإرادة: الصياغة العامة جدًا (“أعطوا فلانًا شيئًا”) تسبب نزاعًا؛ الأفضل تحديد مبلغ/نسبة/عين معينة.
دور المحامي هنا: توثيق “حالة الموصي” بقدر الإمكان: إثبات الهوية، وضبط الصيغة، وتوثيقها رسميًا؛ لأن أقوى اعتراض لاحقًا يكون: “لم يكن بكامل وعيه”.
شروط الوصية الشرعية في السعودية بالنسبة للموصى له
الشروط المرتبطة بالمستفيد تشمل غالبًا:
- أن يكون موجودًا أو قابلًا للوجود وقت نفاذ الوصية (بعض الحالات تتعلق بالحمل أو الجهة الاعتبارية).
- أن يكون محددًا (اسم واضح، رقم هوية إن أمكن، أو جهة رسمية واضحة).
- ألا يوجد مانع شرعي يسبب بطلانًا أو نزاعًا (مثل تعارض واضح مع قواعد “لا وصية لوارث” دون إجازة).
شروط الوصية الشرعية في السعودية بالنسبة للموصى به
هنا بيت القصيد الذي يسبب أغلب النزاعات: ما الذي أوصى به الموصي تحديدًا؟
يشترط عمليًا أن يكون:
- معلومًا ومحددًا قدر الإمكان: مبلغ، سهم، نسبة من عقار، منفعة لمدة محددة…
- ممكن التنفيذ: لا يوصي بشيء غير قابل للتسليم أو غير محدد أصلًا.
- غير ضار ضررًا بيّنًا بالورثة (خصوصًا إذا كانت الوصية مُصاغة بطريقة تقصد حرمان ورثة أو تعطيل حقوقهم، فهذا يفتح باب الاعتراض والتفسير).
شروط الوصية الشرعية ونظام الوصايا: حد الثلث وكيف تحسبه عمليًا
قاعدة الثلث ليست “جملة تراثية” فقط؛ هي معيار عملي يحسم اعتراضات كثيرة. الحديث صريح في أن الحد الأعلى المأذون به عادة هو الثلث، وأنه “كثير”.
لكن السؤال الذكي: ثلث ماذا؟
- الثلث يُنظر إليه عادة من صافي التركة بعد ما يلزم (مثل الديون والالتزامات الثابتة)، ثم تُنفذ الوصية في حدود الثلث.
وهنا خطأ شائع: شخص يكتب وصية “بنصف العقار” ثم بعد الوفاة يتفاجأ الورثة أن الديون كبيرة أو أن العقار مرهون… فيبدأ النزاع حول: هل الوصية تنفذ كاملة؟ أم تُخفض للثلث؟ أم تحتاج إجازة؟
المحامي في مرحلة مبكرة يساعد على صياغة وصية “تعيش” بعد الوفاة ولا تسقط عند أول اعتراض.
شروط الوصية الشرعية ونظام الوصايا: هل تجوز الوصية للوارث؟
هذه من أكثر الأسئلة حساسية: “هل أستطيع أن أوصي لابني/بنتي؟”
الأصل الذي يُستند إليه كثيرًا: لا وصية لوارث، لأن الله أعطى كل ذي حق حقه بالميراث، فلا تُزاد أنصبة بعض الورثة بالوصية على حساب غيرهم إلا بضوابط معتبرة.
عمليًا، إذا أراد الموصي تخصيص وارث بميزة مالية، فغالبًا لا بد من:
- تدقيق الصياغة (هل هي وصية أم هبة في الحياة؟)
- ومعالجة مسألة الإجازة من بقية الورثة إذا كانت ستؤثر على توازن الأنصبة.
وهنا تظهر أهمية الاستشارة القانونية: لأن تحويل “نية الإحسان” إلى وصية غير منضبطة قد يُبطلها أو يفتح نزاعًا عائليًا كبيرًا.
مبطلات الوصية: متى تُرفض أو تُلغى أو تُطعن؟
في التطبيق القضائي والعملي، هذه أشهر أسباب سقوط الوصية أو تعطّل تنفيذها:
- الرجوع عن الوصية صراحة أو ضمنًا (مثلاً: يكتب وصية ثم يوثق وصية جديدة مخالفة لها).
- الغموض الشديد في الموصى به أو الموصى له.
- تجاوز الثلث دون معالجة صحيحة لمسألة الإجازة.
- الوصية لوارث بطريقة تصادم القاعدة دون ضبط الإجازة أو التسبيب.
- النزاع على أهلية الموصي وقت إنشاء الوصية (وهذا كثير جدًا عند عدم التوثيق الرسمي).
ولهذا ترى المحامين يلحّون على التوثيق الرسمي؛ لأن التوثيق لا يمنع الاعتراض تمامًا، لكنه يقلل مساحته ويقوي موقف تنفيذ الوصية.
نظام الوصايا في السعودية: كيف توثق وصيتك رسميًا عبر الجهات المختصة؟
بدل أن تبقى الوصية “ورقة منزلية” قابلة للطعن بسهولة، الأفضل توثيقها رسميًا. في السعودية توجد خدمة توثيق الوصية ضمن الخدمات الإلكترونية، وتشرح المنصة الوطنية الموحدة أن الخدمة تساعد على توثيق الوصية رسميًا لدى الجهة المختصة عبر تعبئة النموذج وإكمال الإجراءات والمصادقة.
كما أن منصة ناجز للتركات التابعة لوزارة العدل تُعد بوابة رئيسية للخدمات العدلية، وتظهر في نطاق مواقع وزارة العدل وخدماتها.
ماذا يجهز لك المحامي قبل التوثيق؟
- صياغة واضحة “غير قابلة لسوء الفهم”.
- تحديد دقيق للموصى لهم والموصى به.
- التأكد من عدم تجاوز الثلث أو وضع بدائل صياغية إذا تغيرت قيمة التركة.
- إدراج بيانات تقيّم النزاع مسبقًا: مثل ترتيب الأولويات، أو وصية بديلة إذا توفي الموصى له قبل الموصي، أو بيان سبب التخصيص لتقليل الطعن “بدافع الضرر”.
متى تتحول الوصية إلى نزاع أمام محكمة الأحوال الشخصية؟ ومتى تدخل محكمة التنفيذ؟
إذا اتفق الورثة ولم يعترض أحد، قد تُنفذ الوصية بسلاسة وفق المسار النظامي. لكن إذا ظهر اعتراض (صحة الوصية، أهلية الموصي، تجاوز الثلث، وصية لوارث…)، فغالبًا يمر النزاع عبر محكمة الأحوال الشخصية باعتبارها محكمة الاختصاص في مسائل التركات والوصايا ضمن منظومة الأحوال الشخصية.
وبعد صدور حكم أو صك نهائي يلزم التنفيذ، يظهر دور محكمة التنفيذ لإلزام الممتنعين بالتنفيذ، خصوصًا إذا كان في الوصية نقل حق مالي أو تسليم عين أو إثبات استحقاق. (وهذا الجزء مهم لأن كثيرًا من القضايا لا تتعطل في الحكم بقدر ما تتعطل في التنفيذ).
دور المحامي في شروط الوصية الشرعية: كيف “يحمي” وصيتك من الاعتراض؟
المحامي لا يضيف “تعقيدًا” للوصية؛ هو يضيف “سلامة”. وأهم ما يفعله عادة:
- تدقيق شرط الثلث بصياغة تحمي الوصية حتى لو تغيّرت قيمة التركة.
- إغلاق باب الوصية للوارث بعبارات منضبطة أو بتوجيه العميل لمسار صحيح إن كان قصده هبة حال الحياة.
- تقوية الإثبات عبر التوثيق الرسمي بدل الورق العرفي.
- توقع الاعتراضات وكتابة حلول داخل الوصية نفسها: بدائل، ترتيب أولوية، تفسير واضح للمقصود بالمبالغ/الأنصبة/العقار/المنافع.
- تجهيز ملف التنفيذ مسبقًا: لأن الوصية الناجحة ليست التي تُكتب فقط، بل التي تُنفذ بأقل احتكاك.
أسئلة شائعة
هل تكفي وصية مكتوبة بخط اليد؟
قد تُقبل أو تُرفض بحسب الإثبات والاعتراضات. عمليًا، التوثيق الرسمي يقلل النزاع ويقوي التنفيذ.
هل يمكن تغيير الوصية بعد كتابتها؟
نعم، والرجوع عن الوصية أو تعديلها من أكثر أسباب النزاع عند وجود أكثر من نسخة؛ لذلك الأفضل تحديثها رسميًا وتوضيح النسخة الأحدث.
هل يجوز أن أوصي بأكثر من الثلث؟
الثلث هو الحد الذي يُستند إليه غالبًا، وتجاوز الثلث يفتح باب الاعتراض ومسألة الإجازة، لذلك الأفضل ضبط الوصية في حدود الثلث أو استشارة محامٍ لصياغة تحميها.
خاتمة
شروط الوصية الشرعية ونظام الوصايا في السعودية ليست تعقيدًا فقهيًا بقدر ما هي “قواعد حماية”: حماية إرادة الموصي، وحماية الورثة من النزاع، وحماية التركة من تعطيل طويل. إذا التزمت بوضوح الصياغة، وحد الثلث، وتجنبت الوصية للوارث إلا بضوابطها، ثم وثّقت وصيتك عبر المسار الرسمي مثل خدمات توثيق الوصية ومنصة ناجز، فأنت تقلل احتمالات الطعن وتزيد فرص التنفيذ الهادئ بعد الوفاة.
